العيني

47

عمدة القاري

قوله : ( يسروا ) ، وهو نكرة لصدق ذلك على من يسر مرة وعسر في معظم الحالات ، فإذا قال : ولا تعسروا ، انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع الوجوه ، وكذلك الجواب عن قوله : ( ولا تنفروا ) لا يقال : كان ينبغي أن يقتصر على قوله : ( ولا تعسروا ولا تنفروا ) لعموم النكرة في سياق النفي ، لأنه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير ، ولا من عدم التنفير ثبوت التيسير ، فجمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني ، لأن هذا المحل يقتضي الإسهاب ، وكثرة الألفاظ لا الاختصار لشبهه بالوعظ ، والمعنى : وبشروا الناس أو المؤمنين بفضل الله تعالى وثوابه ، وجزيل عطائه وسعة رحمته ، وكذا المعنى في قوله : ( ولا تنفروا ) يعني : بذكر التخويف وأنواع الوعيد ، فيتألف من قرب إسلامه بترك التشديد عليهم ، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان ، ومن بلغ وتاب من المعاصي يتلطف بجميعهم بأنواع الطاعة قليلاً قليلاً ، كما كانت أمور الإسلام على التدريج في التكليف شيئاً بعد شيء ، لأنه متى يسر على الداخل في الطاعة المريد للدخول فيها ، سهلت عليه وتزايد فيها غالباً ، ومتى عسر عليه أوشك أن لا يدخل فيها . وإن دخل أوشك أن لا يدوم أو لا يستحملها . وفيه الأمر للولاة بالرفق ، وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة ، لأن الدنيا دار الأعمال ، والآخرة دار الجزاء ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل ، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور تحقيقاً لكونه رحمة للعالمين في الدارين . بيان البديع : اعلم أن بين : ( يسروا ) ، وبين ( بشروا ) ، جناس خطي ، والجناس بين اللفظين تشابههما في اللفظ ، وهذا من الجناس التام المتشابه ، وهذا باب من أنواع البديع الذي يزيد في كلام البليغ حسناً وطلاوة . فإن قلت : كان المناسب أن يقال بدل : ( ولا تنفروا ) ولا تنذروا ، لأن الإنذار وهو نقيض التبشير لا التنفير . قلت : المقصود من الإنذار التنفير ، فصرح بما هو المقصود منه . 12 ( ( باب مَنْ جَعَلَ لأهْلِ العِلْمِ أيَّاماً مَعلُومَةً ) ) أي : هذا باب في بيان من جعل ، فالباب مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى : من ، هذا رواية كريمة . وفي رواية الكشميهني : ( أياماً معلومات ) ، وفي رواية غيرهما : ( يوماً معلوماً ) . وجه المناسبة بين البابين ظاهر ، لأن الباب الأول في التخويل بالموعظة والعلم ، وقد ذكرنا أن معناه هو التعهد في أيام خوفاً من الملل والضجر ، وهذا الباب أيضاً كذلك . 70 حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قال : حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ قال : كان عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ في كُلِّ خَمِيسٍ ، فقال لَهُ رَجُلٌ : يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ ! لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ . قال : أمَا إنَّهُ يمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُم ، وإِنِّي أتَخَوَّلُكُم بالمَوعِظَةِ كما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنا بِها مخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . . [ / محه مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، والدليل عليها ، إما أن يكون بفعل الصحابي عند من يقول به ، أو بالاستنباط من فعل النبي . صلى الله عليه وسلم . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : عثمان بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان ابن خواستي ، بضم الخاء المعجمة وبعد الألف سين مهملة ثم تاء مثناة من فوق ، أبو الحسن العبسي الكوفي ، أخو أبي بكر وقاسم ، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين ، وأبو بكر أجل منه ، نزل بغداد ورحل إلى مكة والري ، وكتب الكثير ، روى عنه يحيى بن محمد الذهلي ومحمد بن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة ، وروى النسائي عن رجل عنه ، سئل عنه محمد بن عبد اللَّه بن نمير ، فقال : ومثله يسأل عنه ؟ وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد اللَّه ثقة . وقال أحمد بن حنبل : ما علمت إلاَّ خيراً ، وأثنى عليه وكان ينكر عليه أحاديث حدث بها . منها حديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر قال : شهد النبي ، عليه الصلاة والسلام ، عيد المشركين ، توفي لثلاث بقين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين . الثاني : جرير بن عبد الحميد بن قرط بن هلال ، وقيل : تيري بدل هلال ، الضبي الكوفي . قال : ولدت سنة مات الحسن ، وهي سنة عشر ومائة ، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة ، وقيل : سبع ، روى عنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو بكر ، قال محمد بن سعد : كان ثقة كثير العلم يرحل إليه ، وقال أبو حاتم : ثقة . وقال أبو زرعة : صدوق من أهل العلم روى له الجماعة . الثالث : منصور بن